محمد علي الحسن
123
المنار في علوم القرآن
وهذه وتلك قراءة منكرة بالاتفاق ، فليست من السبع ، ولا الأربع عشرة ، ولو كان مجرد الخط والرسم كافيا لاعتمدت . وعلى مثل هذه القراءات المنكرة اعتمد جولد زيهر في الاستدلال على قضيته الباطلة ، ودعواه الخبيثة ضد القرآن الكريم . ثالثا : لقد ثبت بالتاريخ الصحيح أننا لا نزال نرى الكثير من المقرئين حتى يومنا هذا ، يعطون تلاميذهم بعد أن يتموا حفظه على أيديهم إجازة تتضمن سند التلقي المتصل عنهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن كثيرا من الأسانيد الصحيحة المتصلة مدونة محفوظة في كتب القراءات ، فما ينكر هذا إلّا جاهل أو مكابر . كذلك إذا نظرنا إلى الأمصار الإسلامية وجدنا أن كل مصر التزم قراءة قارئ بعينه ، مع احتمال رسم المصحف لهذه القراءة ، وأن القرّاء انتشروا في هذه الأمصار ليعلموا الناس قراءة القرآن إيمانا منهم بأن رسم المصحف وحده لا يعني شيئا في مجال القراءة ، وبخاصة أنه مجرد من النقط والشكل . يقول الشيخ الزرقاني : « لذلك اختار عثمان حفاظا يثق بهم ، وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية ، واعتبر هذه المصاحف أصولا ثواني ، مبالغة في الأمر ، وتوثيقا في القرآن ، ولجمع كلمة المسلمين ، فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه ، مع من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب ، روي أن عثمان - رضي اللّه عنه - أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني ، وبعث عبد اللّه بن السائب مع المكي ، والمغيرة بن أبي شهاب مع الشامي ، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي ، وعامر بن عبد القيس مع البصري « 1 » . فلو كان الاعتماد على المصحف ، لما كلف أمير المؤمنين نفسه بإرسال أولئك القراء إلى تلك الأمصار ، وملاحظة أن اختيار القارئ كان موافقا لرسم المصحف المرسل إلى ذلك البلد ، وهذا يؤكد أن دعامة القرآن هي التلقي والرواية . وإذا كان للمستشرقين عذرهم في تعصبهم للباطل وحقدهم الدفين ضد الإسلام ومبادئه ، فما عذر من جاراهم من المسلمين وقال : بأن القراءات القرآنية منشؤها
--> ( 1 ) المناهل 1 / 96 .